المقاومة الإسلامية و الوطنية

منتدى المقاومة الإسلامية و الوطنية
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أنطون سعادة شخصية نادرة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أبو طوني
أسد الجنوب
أسد الجنوب


عدد الرسائل : 239
العمر : 28
الموقع : الجنوب-النبطية
تاريخ التسجيل : 10/04/2008

مُساهمةموضوع: أنطون سعادة شخصية نادرة   الخميس أبريل 17, 2008 5:59 pm

نلتقي اليوم لنتحدث عن آبنِ الأولِ من آذار الرجل الذي حَوّل عيدَ ‏ميلادهِ من مُناسبَةِ إحتفاءٍ بشخصِهِ إلى عيدِ للأمةِ بأسرِها مُؤكداً أن ‏أيَ إحتفالٍ تكريميٍ له لا يُمكن أن يكون معداً لشخصه مجرداً عن ‏التعاليم القومية الإجتماعية بل معداً له بكونه واضعاً لهذه التعاليم ‏التي تمثل حقيقة الأمة السورية وحقيقة وجودها ومصالحها.

والحديث عن سعاده الذي كانت له اهتمامات عالية ورفيعة وآمال ‏كبيرة ومطلب عظيم والذي عاش كلماته وجسّد المثل والمبادىء ‏في ذاته وفي مسيرة حياته، والذي أطلق قضية وخاطب أجيالاً ‏وشق لها طريقاً للحياة، الحديث عن هذا الرجل يمتد إلى آفاق ‏بعيدة متشعبة وعميقة لأن هذا الرجل كان عبقرياً فذاً تخلى عن ‏جاهه الخاص ومجده الخاص وكرّس حياته من أجل أمته ووطنه ‏فكانت حياته كلها معاناة إذ خاض غمار تجارب قاسية تعرّض ‏فيها للصعاب والآلام وويلات الغربة وللتشهير والدسائس ‏والوشايات والسجن والتهديد بالقتل مراراً، ولكنه مع ذلك لم ييأس ‏ولم يتراجع لأن ثقته بنفسه وبشعبه كانت كبيرة فواجه التحديات ‏بإرادة صلبة وعمل متواصل وعطاء سخي فكراً وممارسة وإبداعاً ‏إلى آخر لحظة من حياته التي توّجها بقيمة الفداء وكان هاجسه ‏الدائم والوحيد في كل المواقف خدمة أمته وإحداث نهضة حقيقية ‏فيها. ‏

قبل أن نبحث في شخصية أنطون سعاده وتجلّياتها، لا بد من أن ‏نذكر أن سعاده الشاب الذي التحق بوالده العلامة الدكتور خليل ‏سعاده في المهجر وخاض معه غمار العمل الصحفي والكفاح ‏الأدبي والسياسي، ُأعجب بوالده المتفوق في عمله الصحفي وفي ‏مجالات اللغة والرواية والعلم والسياسة والوطنية، وتأثر به فاتخذه ‏مثالاً في أدبه ومواقفه عموماً وحفظ وصيته له التي تقول: "إنك ‏لرجل عظيم وإذا حاول العالم حولك، أن يحجب عظمتك عن ‏الأبصار، فاضحك منه كما تضحك الشمس ممن يحاول أن يحجب ‏نورها بكفّيه عن عيون البشر..."1‏ ‏ هذا التشجيع من والده والأجواء ‏التي عاشها في الوطن والمهجر كوّنت عناصر حافزة في نفس ‏سعاده لينطلق في اتجاه تحقيق "عظمته"، كما أرادها والده. وهكذا ‏كان اهتمام سعاده بما هو كبير وواسع... ففي حين كان أكثر ‏الناس حوله منشغلين بصغائر الأمور ويبذلون وقتاً كثيراً من ‏عمرهم فيها..، كان هو منصرفاً للإهتمام بعظائم الأمور ومنشغلاً ‏بقضية نهوض الأمة والإرتقاء بها إلى المجد.

حين نبحث في شخصية الزعيم سعاده وصفاتها، فإنه يهمنا البحث ‏في الأبعاد المتعددة التي تميز بها هذا الرجل ويهمنا البحث في ‏طبيعة معدن العظمة التي صيغت منه هذه الشخصية العملاقة ‏النادرة. وبعض هذه الأبعاد، وليس كلها، التي سنتكلم عنها ‏بإختصار هي التالية:

‏‏1-‏ في البعد التأسيسي:

بينما كان سعاده الشاب الذي وعى باكراً ‏مشكلات وطنه، على حقيقتها، ُيحذّرُ في المهجر من خطر الحركة ‏الصهيونية وينشر مقالاته الوطنية ويحضُّ على قيام نهضة حقيقية ‏يقوم بها شعبنا من أجل إنقاذ وطنه من مخالب الإستعمار، بدأ هذا ‏الشاب يحلم بوجود تنظيم متماسك يجسّد أفكاره الوطنية ويقدم ‏الحلول العملية لمشكلات وطنه الرازح تحت ظلم الإنتداب ‏وطغيانه.. ولكي لا يبقى حلمه أمراً خيالياً، بادر مع مجموعة من ‏الشباب الثائر على ما يقوم به الإنتداب الفرنسي في الوطن إلى ‏تأسيس جمعية سرية هي "جمعية الشبيبة الفدائية السورية" التي ‏وضع أهدافها ومبادئها وأنتخب رئيساً لها.2 ولكن سرعان ما ‏أنسحب سعاده من هذه الجمعية بعد إصرار زملائه على وجوب ‏الإعلان عنها وإرسال برقيات بإسمها إلى قائد الثورة السورية ‏وجمعية الأمم. وانتمى سعاده للماسونية في "محفل نجمة سورية" ‏ظناً منه أنه سيتمكن من خدمة وطنه بواسطتها التي تنص مبادؤها ‏على حرية الشعوب ومكافحة الظلم والطغيان أينما وجدا.3 وبعد ‏إخفاقه في إقناع "محفل نجمة سورية" بتأييد مطالب الشعب ‏السوري بالحرية والإستقلال، رأى ان استمراره في الماسونية ‏مضيعة للجهود والوقت فاستقال منها وانصرف لتثبيت دعائم ‏‏"حزب الأحرار السوريين" الذي أسسه في البرازيل بشكل سري ‏أيضاً في سبيل خدمة أمته وتحقيق سيادتها على نفسها.4 وبعد ‏عامين من تجربة نافعة استفاد منها كثيراً، راح سعاده يستعرض ‏التجارب والحوادث التي خاضها وُيقيّم النتائج التي حققها إلى أن ‏اقتنع بأن نضاله من أجل الأمة في بلاد الإغتراب سيبقى عملاً ‏محدوداً ولا بد له من العودة إلى أرض الوطن ليبدأ العمل من ‏هناك لأنه "في الوطن نفسه لا في المهجر يصنع مصير الوطن ‏ويتأمن مستقبله"‏ ‏.5

‏وعاد سعاده إلى أرضه الأم وفيها أسس عام 1932 الحزب ‏السوري القومي الإجتماعي بعد أن وضع دستوره ومبادئه وغايته. ‏وبهذا الحدث التاريخي ابتدأت الأمة بحركة نهضتها الجديدة بعد ‏ان أوجد سعاده الوسائل العملية لتحقيقها... ابتدأت الأمة تنبعث ‏من قبرها في التاريخ وتستعيد دورها الحضاري كأمة هادية ‏ومعلّمة للأمم، وبزغ فجر جديد هو فجر حريتها واستقلالها ‏وسيادتها على نفسها، فجر الجماعة المنظمة الناهضة في ‏المؤسسات الجديدة وفي الدولة العصرية القائمة على دعائم الحرية ‏والواجب والنظام والقوة.. ‏

وبفضل سعاده وأفكاره انتشر هذا الحزب في أوساط الشعب ‏وأمسى مدرسة فكرية ونضالية لها فضل الريادة في العمل الحزبي ‏المنظم، مدرسة تخرّج منها كثيرون وتأثر بها عدد كبير من أهل ‏الفكر والأدب والصحافة والسياسة والفنون، مدرسة أثّرت وما ‏زالت تؤّثر في جميع الحقول وأنتجت وما زالت تنتج مئات الكتب والمؤلفات والنشرات والمطبوعات في جميع المجالات، مدرسة ‏لعبت وما زالت تلعب دوراً طليعياً في معظم الأحداث والتحركات ‏القومية والشعبية وتقدم المقاومين والإستشهاديين دفاعاً عن تراب ‏الوطن وإسهاماً في معارك التحرير والسيادة والإستقلال. وليس ‏من قبيل المجاملة ما أعلنه الشهيد كمال جنبلاط في معرض ‏استجوابه التاريخي للحكومة اللبنانية يوم اعدموا سعاده إذ قال: ‏‏"إن سعاده هو رجل عقيدة ومؤسس مدرسة فكرية كبرى وباعث ‏نهضة في أنحاء الشرق قد يندر لها مثيل"‏‏.6 ولم يكن من باب المجاملة ‏أيضاً اعتراف المفكر العروبي "ساطع الحصري" بدور سعاده الكبير الرائد ‏في التنطيم الحزبي القائم على أساس عقيدة محددة، إذ قال: "لم ‏يظهر في العالم العربي إلى آلان حزب يضاهي الحزب السوري ‏القومي الإجتماعي في الإهتمام بالدعاية المنظمة التي تخاطب ‏العقل والعاطفة معاً، وفي التنظيم الحزبي الذي يعمل بلا انقطاع ‏في السر والعلن، وقد استطاع هذا الحزب، بفضل تنظيماته أن ‏يوجد تياراً فكرياً وسياسياً قوياً جداً في سورية ولبنان".‏7

‏ 2- في البعد التأليفي:

كان سعاده موسوعة جليلة في الفكر ‏والثقافة واللغة ومؤلفاً غزير الإنتاج وعظيم المقام يتصف بالدّقة ‏والتحليل والإبداع والتحقيق بصورة رائعة وعبارات فائقة. فلقد ‏نشأ على حبّ اللغاتِ فتضلّع من العربيةِ وأتقنَ خمسَ لُغاتٍ أجنبيةٍ ‏وبرز مثقفاً من الطراز الرفيعِ ومطلعاً بعمقٍ على علوم شتى ‏وعلى فلسفات وتيارات فكرية ورسالات دينية وحضارات إنسانية ‏وفنون متنوعة وكان له فيها نظرات عميقة وصريحة جداً. وتجلّت ‏عظمته الثقافية في النتاج الفكري الضخم الذي تركه للأمة والذي ‏يتضمن منظومة من الأفكار والتصورات والأراء العميقة في ‏الفلسفة والإجتماع والإقتصاد والسياسة والدين والأدب والموسيقى ‏وغيرها من ميادين الفكر والعلم والفنون. ويقول إستاذ الآداب في ‏الجامعة اللبنانية الدكتور ربيعة أبي فاضل ان سعاده "إستغلّ ‏التاريخ والأساطير والعلوم الإجتماعية والنفسية، ليخلق كتابات ‏كأنها الحياة جمالاً وتأثيراً وفعلاً بناءً".*

ومن مؤلفاته نذكر كتاب التعاليم وشروحها في "المحاضرات ‏العشر" ونذكر اطروحاته المميزة في "الصراع الفكري في الأدب ‏السوري" وفي "جنون الخلود" وفي "الإسلام في رسالتيه: المسيحية ‏والمحمدية" وفي "نشوء الأمم" هذا الكتاب العلمي القيّم ونذكر ‏مقالاته النقدية الرائعة وبياناته في المسألتين اللبنانية والفلسطينية ‏وفي مسألة لواء الإسكندرون ونذكر كتاباته القيّمة عن النهضة ‏والقومية والفلسفة والعروبة الوهمية والطائفية والإنعزالية ‏والنيورجعية والصهيونية والديمقراطية والشيوعية والنزعة ‏الفردية والهجرة والقيم الإنسانية وغيرها من المسائل في شؤون ‏الإجتماع والسياسة والأدب والإقتصاد التي يصعب تعدادها... كما ‏نذكر قصتيه الرائعتين "عيد سيدة صيدنايا" و"فاجعة حب" ‏‎ ‎ومذكراته وهواجسه الوطنية ورسائله الثمينة وخطبه الرائعة ‏وأقواله الحكيمة وكل تلك تشكل تراثاً ضخماً للأمة وللأجيال، ‏تراثاً يستقطب الدراسات والمقالات التي تنشر في دوريات، من ‏صحف ومجلات، في الوطن والمغتربات، تراثاً يجذب الدارسين ‏والباحثين الأكاديميين أولاً، لإعداد اطروحات ورسائل جامعية في ‏مختلف جوانب هذا التراث، وثانياً، لمقارنة سعاده كمفكر ‏وفيلسوف إجتماعي مع غيره من المفكرين والفلاسفة في التاريخ. ‏‏"فسعاده - الفكر"، كما يقول الشاعر والأديب المرحوم محمد يوسف ‏حمود، "بات للجميع، للمؤمنين به ولخصومه، كما هو الهواء ‏للجميع، كما هي الشمس للجميع."*

‏3- في البعد الفكري-الفلسفي:

فسعاده فيلسوف إجتماعي عميق ‏الفهم والإطلاع ومشابه، برأي كثيرين، "لكبار فلاسفة الإغريق ‏وحكمائهم، لا سيما سقراط وافلاطون وارسطو.."*‏ ‏. وهو، كما ‏يقول مدير الفرع الأول في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية ‏الدكتور وجيه فانوس، "صاحب دعوة حضارية تستغرق الوجود ‏الإنساني بكليته..."‏* ‏ هذه الدعوة الحضارية هي فلسفة مدرحية ‏شاملة تتناول جميع مناحي الحياة وتؤمن بالأمة وقوتها وتراهن ‏على الإنسان الجديد المتسلح بالوجدان القومي والعامل لخير شعبه ‏وسعادة مجتمعه. وهذه الفلسفة العميقة تتضمن جملة ‏

من المفاهيم الجديدة في النهضة والسياسة والإنسان والحقيقة ‏وغيرها من القيم المجتمعية الإنسانية وتقدم رؤية جديدة لإنقاذ ‏العالم من تخبطه لأنها ترى ان أساس الإرتقاء الإنساني هو أساس ‏مادي روحي وان النظام الجديد للعالم لا يمكن ان يقوم إلا على ‏قاعدة التفاعل الذي يحل محل التقاتل والحروب المهلكة ‏والإخضاع القسري.

وبإختصار إن سعاده عكس في كل نتاجه الفكري هموماً فكرية ‏وحضارية متنوعة تتمحور بمجملها حول نهضة الإنسان والأمة ‏وتشدّد على "إن الحياة الإنسانية بلا مبادىء يتمسك بها الإنسان، ‏ويبني بها شخصه ومعنى وجوده، هي باطلة".*‏ ‏ فلقد كان مبدئياً ‏بكل طروحاته وأصيلاً في فكره وتوجهاته وخلاّقاً برؤيته ‏وواضحاً بمفاهيمه وصريحاً بآرائه.

‏4- في البعد العلمي:

كان سعاده باحثاً علمياً يؤمن بالعلم والعقل ‏الشرع الأساسي الأعلى ويدعو إلى مواكبة عصر الإختصاص ‏الراقي الذي نعيش فيه.‏ ‏ ويشير في كتابه "أعداء العرب أعداء ‏لبنان" بأنه إذا قصَّر بعض شعبنا عن هذه المواكبة فعلى المتعلّمين ‏ألاّ يتعاموا عن "قوة الحقائق العلمية، ووجوب إعطاء القوس ‏باريها في كل أمر من الأمور الفنية، اوالعلمية الإجتماعية، ‏اوالسياسية او غيرها".13‏ ‏ فالعلم ينقذنا من السذاجة، وبخاصة في ‏القضايا الإجتماعية السياسية. ‏

وسعاده لم يكن إلعباناً في العلم والفكر والسياسة كما فعل كثيرون ‏من السياسيين النفعيين بل كان إنساناً علمياً أخذ بشروط المناهج ‏العلمية في البحث واعتمد المنطق والدقة ووضع الفروض ‏وصياغتها والتنقيب عن المعلومات ونقدها وإثبات صحتها أو ‏خطئها بالإستناد إلى الحقائق العلمية والأدلة القاطعة وإلى ما ‏توصلت إليه دراسات العلماء وأبحاثهم في مختلف المجالات. ففي ‏كتابه العلمي نشوء الأمم، على سبيل المثال، إعتمد منهج التسلسل ‏التحليلي لكي يشرح لنا المراحل التي قطعتها البشرية في الزمان ‏حتى صارت أمماً. وكما يشير في مقدمة هذا الكتاب، فلقد أسند ‏حقائقه إلى مصادرها الموثوق بها واجتهد الإجتهاد الكلي، في ‏الوقوف على أحدث الحقائق الفنية التي تنير داخلية المظاهر ‏الإجتماعية، وتمنع من إجراء الأحكام الإعتباطية عليها.14‏ ‏ ومن ‏يقرأ الكتاب يلاحظ أن سعاده استمد الحقائق الإجتماعية العلمية من ‏دراسات وأبحاث قرأها في لغات أجنبية لعلماء الجيولوجيا ‏والجغرافيا والإنتروبولوجية والآثار والتاريخ والإقتصاد والسياسة ‏والفلك وغيرهم.

أما في كتابه "الإسلام في رسالتيه" الذي تصدَّ فيه ‏للشاعر القروي رشيد سليم الخوري الذي خلط السياسة بالّدين ‏وتهجّم على الأديان يوضح سعاده الغاية من بحثه العلميّ فيقول: ‏‏"نحن نسوق هذا الدرس من أجل محاربة التدجيل العلمي والتدجيل ‏الديني والإستهزاء بالتعاليم على الإطلاق، سواء أكانت دينية أم ‏غير دينية..."15‏ ‏ ويشير الدكتور ربيعة أبي فاضل إلى "أن "أبحاث ‏الإسلام في رسالتيه" إتسمت بروح علمّية، وبتحليل أكاديميّ، ‏وبضبط أكيد للمصادر والمراجع، وبثقافة واسعة بدت، أكثر ما ‏بدت، في المقارنات والإستنتاجات والشّواهد، وبخاصة في تكامل ‏هذه الأبحاث، وانسجامها وعقلانيّتها."‏16 ‏ ‏

وسعاده العالم كان يشدّد على القراءة بروية وتفهّم، كي نحلل ‏بعمق وموضوعية. وهو نفسه "اجتهد كي لا يبقى كلامه مطلقاً، ‏بدون شواهد وأمثلة تساعد غير المتخصِّص على المعرفة"‏‏.17 فقرأ ‏الكتب الأجنبية والعربية بتعمق، وسفّّه بعقله العلمي الواقعي ‏السفسطة والتخليط والهفت والمغالطة والتفكير العامّي المنحط ‏الخالي من كل ثقافة ودراسة صحيحة. كما سفّّه كل الأحكام ‏الغامضة والتعاميم المطلقة والأراء المضللة المرتكزة على الوهم ‏والخيال والتعصب وقدم لنا التعاريف الواضحة والتحديدات الدقيقة ‏والنتائج المنسجمة والمترابطة والمستندة على أسس علمية ‏وواقعية.‏

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.afwaj.org/vb/member.php?u=317
أبو طوني
أسد الجنوب
أسد الجنوب


عدد الرسائل : 239
العمر : 28
الموقع : الجنوب-النبطية
تاريخ التسجيل : 10/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: أنطون سعادة شخصية نادرة   الخميس أبريل 17, 2008 5:59 pm

5- في البعد الأدبي:

كان سعاده أديباً وناقداً مبدعاً وصاحب رسالة ‏أدبية إنسانية خالدة ونظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن. وقد ‏تجلى إبداعه في أبحاث ومقالات نقدية عالج فيها موضوع الأدب ‏من أساسه متعرضاً لحالة الفوضى السائدة في الساحة الأدبية ‏ولفقر الأدب السوري وشقاء حاله ومنتقداً لطائفة كبيرة من الأدباء ‏والشعراء والكتّاب الصحافيين المعروفين في الساحة الأدبية في ‏سورية وفي العالم العربي.18 وفي معرض نقده الموضوعي، ‏هاجم سعاده الأدب الرجعي الذليل، النائح، الباكي، القاتل ثقة ‏الشعب السوري بنفسه والقائم على التقليد والتزلف والتفجع ‏والتشويش والغموض والسطحية والتحريض والأنانية وإيقاظ ‏العصبيات المذهبية وبث النعرات المفرّقة والإستهتار بالحقائق ‏العلمية بغاية الشهرة الشخصية والولع بالخلود. وكان هاجسه ‏الدائم التجديد في الأدب وقيام نهضة أدبية أصلية تعبر عن روحية ‏الأمة وتستوعب مطامحها النفسية. لذلك أطلق نظرته ومفاهيمه ‏الجديدة للأدب والفن والجمال ودعا الأدباء والشعراء السوريين ‏للأخذ بها لينتجوا على ضوءها أدباً رفيعاً خارجاً من صميم حياتنا ‏السورية، أدباً جميلاً يشّع بالحب والحكمة والجمال والأمل بمواد ‏تاريخ أمتنا ومواهبها وفلسفات أساطيرها وتعاليمها، أدباً صحيحاً ‏يفهم حياتنا ويعبر عن مثلنا العليا وأمانينا هو أدب ‏الحياة، أدب النوابغ والعباقرة الجدير بتقدير العالم وبالخلود.*‏ ‏ ‏وتجاوباً مع دعوة سعاده وتأثراً بأفكاره وأخلاقه اندفعت أفواج من ‏أهل الفكر والأدب والشعر والموسيقى والفنون والصحافة والرواية ‏والسيرة والبحث العلمي، تسير على خطى المعلم تضيء الظلمات ‏بمشاعل نور النهضة وتعاليمها وتساهم في نهوض الأمة والسير ‏بها على طريق الحق والتقدم والفلاح.

‏6- في البعد الأخلاقي:

شدّد سعاده على مسألة الأخلاق واعتبرها ‏شيئاً أساسياً جداً في الحياة لأنه إذا لم نتمتع بأخلاقية متينة فيها ‏صلابة العزيمة وشدة الإيمان وقوة الإرادة فلا يمكننا أن نحقق ‏غايتنا النبيلة ولن نحصد إلا التشويش وألإخفاق وخيبة الأمل. من ‏هنا قوله "إن الأخلاق هي في صميم كل نظام يمكن أن يكتب له ‏أن يبقى"‏ .*

وشدّد سعاده على القوميين الإجتماعيين بأن يسلكوا في حياتهم ‏بموجب الأخلاق القومية الجديدة قائلاً: "إذا سارَ قومي إجتماعي ‏على الطريقِ فيجب أن يعرف الناسُ بأن سورياً قومياً يسير".

وسعاده كان مثلاً أخلاقياً يُحتذى وكان معلّماً بالقدوة. فلقد عنى كُلَّ ‏ما قال به وترجمه ترجمة فعلية وكان آية في المناقب الجديدة لا ‏بل مدرسة أخلاقية سامية لا مكان فيها للشوائب التي يمكن أن ‏تشوه وجه الأخلاق وقيم الحياة وإيمان الأمة. فكان حرباً على ‏الفردية القبيحة والحرية الفوضوية والبلبلة والحقد والبغض والغدر ‏والمنافسات والخصومات والمماحكات والخيانات وكل المثالب ‏الإجتماعية ودعا "لمحو الفاسد في جميع القضايا" لا بل أوصانا ‏‏"بأن نكون طغاة على المفاسد"* لأننا لا نعني بحركتنا لعباً وتسلية ‏بل بناءً جديداً لا نرضى فيه إلا حياة الأحرار وأخلاق الأحرار.*

‏7- في البعد الإصلاحي:

كان سعاده عالماً مصلحاً لا بل رائداً في ‏الإصلاح الإجتماعي والسياسي والإقتصادي مطلقاً حركة ‏إصلاحية فعلية سعت إلى تطهير المجتمع من الفساد والفوضى ‏والمثالب وأرست أسس الدولة العصرية الديمقراطية العلمانية ‏المنتجة التي تهتم بمصالح حياة الشعب وبأهدافه السامية في ‏الحياة. وفي رأيه، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبتدىء في الحكومات ‏بل في الشعب، ولا يكون في النصوص والقوانين بل في النفوس، ‏أولاً وأخيراً، وفي تحريرها من المساوىء والأهواء والنزوات ‏الفردية وتسليحها بقيم الحياة الصراعية والمناقب والوعي القومي ‏الصحيح. فالنفوس المتحررة بقوة المعرفة والإرادة والوعي ‏والمناقب السامية هي وحدها القادرة على بناء المستقبل والوصول ‏إلى مراتب العز والتقدم والإنتصار.

‏8- في البعد النفسي:

فقد يحتار المرء في قدرة هذا الرجل على ‏التمكن من تحقيق الإنجازات والأعمال الكبيرة في عمر زمني ‏ليس بالطويل. ولكن لا داعي للحيرة عندما نعلم أن ما حققه ‏سعاده ما كان ممكناً لو لم يكن قد وصل إلى مستوى عال من ‏جهاد النفس والإيمان والثقة. فالحيوية الفاعلة والحركة الدائمة ‏والهمّة العالية والإرادة القوية والبطولة المؤمنة والعاطفة الصادقة ‏والتضحيات العظيمة ووقفة العز وبذل النفس كل تلك وغيرها ‏تعكس نفساً عظيمةً كان يتمتع بها هذا الرجل العبقري، نفساً كبيرةً ‏في إيمانها وحبها وإخلاصها وغنيةً في أحلامها الكبيرة ورغائبها ‏العالية، نفساً تميزت بسلامة ذوقٍ ورقةِ إحساسِ وقوةِ شعورٍ ‏وتمتعت بإدراكٍ عالٍٍ وفهمٍ عميقِ، نفساً عشقت الموسيقى وتذوقت ‏الأدب والفنون وأحبت الطبيعة وتاقت للتحرر والكمال، نفساً ‏تسامت على الشهوات الجنسية ورأت الحب شأناً روحياً سامياً، ‏شأناً حقيقياً لا يُعبّر عن مجرد اتحاد أجساد ووصال بل عن اتحاد ‏نفوسٍ واشتراكها في فهم جمال الحياة، وتحقيق مطالبها العليا.

هذه النفسُ الكبيرةُ التي قال عنها صاحبها بأنها تسعُ الكون ولا ‏يمكن أن تذوب وتفنى لأنها قد فرضت حقيقتها على هذا ‏الوجود..23‏ ‏ هذه النفسُ تمثلت روحُ الأمة فيها فتفانت بعطاءاتها ‏وتضحياتها من أجل الإرتقاء بالأمة، وتجسّد تفانيها بآلامٍ عظيمة ‏لم يسبق لها مثيل مؤكدة بأن المطلب الإنسانيّ والروحيّ لا تنشده ‏إلا النفوس الكبيرة، التي لا بد لها من أن تتألم وسط الصدماتِ ‏وهي إذ تقبل التضحيات فلأنها تعي أنَّ في التضحياتِ حياة24. ‏

‏9- في البُعد القيادي:

تجلّت عظمةُ سعاده في قيادته الجريئة ‏للنهضة القومية وفي مواقفه البطولية التي شكّلت دروساً خالدة ‏للأجيال. هذه القيادةُ النادرةُ التي شقّت الطريقَ لحياةِ الأمةِ ‏بالمبادىءِ التي وضعتها وبالحركةِ التي أطلقتها لحملِ هذه ‏المبادىءِ والإنتصارِ بها في صميمِ الشعبِ... هذه القيادةُ التي ‏أنشأت المؤسساتِ والهيئاتِ الإدارية الجديدة لحملِ قضيةِ الأمةِ ‏المقدسةِ ولصيانةِ النهضةِ القوميةِ وضبطِ مجهودِها والتي خطّطت ‏وشرّعت لِبناء الدولةِ القوميةِ الإجتماعيةِ الناهضةِ... هذه القيادةُ لم ‏تكن وليدةَ الإراداتِ الأجنبيةِ كما هي الحالُ مع أكثر الحكّام في ‏عالِمنا العربي ولم تفرض نفسها على الشعب بحكمِ الوراثة ‏لزعامةٍ عائليةٍ أو إقطاعية كما هي حال الزعامات التقليدية ‏المنتشرة في بلادنا ولم تأتِ بداعي التمثيل لسلطةٍ روحية-غيبية ‏أو لسلطةٍ ماديةٍ نافذةٍ فهي لم تدعِ يوماً النبوة ولا تمثيلها للألوهيةَ ‏إنما هي قيادة فريدة وقفت نفسها على حياة الأمة ورقيها وأقسمت ‏يمين الحق غير شاعرةٍ بأنها تقدم منّة للأمةِ بل تشعُرُ بأنها تعطي ‏الأمةَ ما يخصها من خيرٍ وطموحٍ وعظمةٍ لأن كُلَ ما فينا من ‏الأمةِ وكُلَ ما فينا هو لِلأمة..

هذه القيادةُ الفريدة من نوعها هي ‏زعامة أصلية جديدة منبثقة من صميم عظمة الأمة السورية ومن ‏نتاج عبقريتها ونفسيتها. وهي تعبيّر عن الأمال الكبيرة العالقة بها ‏أنفس ملايين البشر وعن إرادة أمة ستعود إلى الحياة وتثب للمجد ‏والفلاح. فسعاده القائد الزعيم شقّ طريقه خارجاً من صفوف ‏الشعب وآلامه وجذب إليه الشبيبة السورية بفضل تفكيره القويم ‏ونظراته العميقة فإنقادت هذه الشبيبة إلى تفكيره إنقياداً ليس فيه ‏إكراه وسارت وراءه مختارةً ومقتنعةً بمبادِئِه المفعمةِ بقيم الحق ‏والخير والجمال، صارت صفوفاً منظمة من آلاف السوريين ‏ومعلنة ولاءَها وتأييدها للقائد الأعلى ولزعيم الأمة المعبّر الأوفى ‏والأصفى عن حقيقتها ومثلها وتطلعاتها. وهذه القيادة الجريئة التي ‏لم تتخلَ عن أقدس واجباتها وهي في ميادين القتال وساحات الدم ‏من أجل سلامتها الشخصية والتي لم تتخلَ يوماً عن "عقيدتها ‏وإيمانها وأخلاقها لتنقذ جسداً بالياً لا قيمة له"‏25 ‏ بل رحّبت بالموت ‏طريقاً لحياة الأمة، هذه القيادة الحية المستمرة ستبقى فعل إشعاع ‏لا يخبو ولا ينطفىء وستبقى حاضرة في الأجيال التي لم تولد بعد ‏وخالدة بخلود الحياة السورية.

‏ختاماً، نقول إنه لربما تمرُ قرون كثيرة قبل ان تشهد الدنيا ‏شخصيةً عملاقةً أُخرى كالزعيم سعاده الذي كان رجلاً إستثنائياً ‏في ميادين الفكر والأدب والجهاد والأخلاق والعمل والقيادة ‏والتأسيس والتربية وإلى غير ذلك من الأبعاد التي يصعب ‏إجتماعها في رجلٍ واحدٍ.

* ألقيت هذه الكلمة في الندوة الفكرية التي نظمتها منفذية ملبورن بتاريخ 21 آذار 2004 ‏بمناسبة مئوية سعاده.

الهوامش:

1 خليل سعاده. الرابطة: مجموعة مقالات وأبحاث متنوعة، سان باولو (البرازي)، 1971، ص. 24.‏

2 نواف حردان، سعاده في المهجر، الجزء الأول، دار فكر للأبحاث والنشر، ط 1، بيروت 1989، ص 138-140.

3 ن. ص 140.

4 ن. ص 145-147.

5 ن. ص 195.

6 الحزب السوري القومي الإجتماعي، إستجواب جنبلاط التاريخي للحكومة حول إستشهاد سعاده عام 1949، منشورات عمدة الإذاعة، ص 94-95.‏

7 ساطع الحصري: العروبة بين دعاتها ومعارضيها، دار العلم للملايين، بيروت، 1952، ص 70.

8 ربيعة أبي فاضل. "أنطون سعاده الناقد والأديب المهجري"، مكتب الدراسات العلمية، مزرعة يشوع، ط 1، 1992 ص 236‏ .

9 راجع حديث أدلى به إلى "البناء" ونشر في 16 تشرين الثاني 1974.

10 مصطفى عبد الساتر،" شؤون قومية"، دار فكر للأبحاث والنشر، بيروت 1990، ص 30.

11 راجع الكلمة التي ألقاها الدكتور فانوس في الندوة الدراسية حول أدب الشاعر محمد يوسف حمود بتاريخ 28 نيسان 1993 وهي ‏منشورة في كتّيب صادر عن دار الركن.‏

12 أنطون سعاده، المحاضرات العشر 1948، منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الإجتماعي، ص 177. ‏ ‎

13 أنطون سعاده، أعداء العرب أعداء لبنان، 1979، ص. 43‏ .

14 أنطون سعاده، نشؤ الأمم، طبعة 1976، ص 15.

15 ‏ أنطون سعاده، أعداء العرب أعداء لبنان، ص 43.

16 ربيعة أبي فاضل. "أنطون سعاده الناقد والأديب المهجري"، مكتب الدراسات العلمية، مزرعة يشوع، ط 1، 1992 ص 129. ‏

17 أنطون سعاده، أعداء العرب أعداء لبنان، ص 37.

18 من بين الأدباء والشعراء والكّتاب الذين تناولهم نذكر: أمين الريحاني، شفيق المعلوف، يوسف نعمان المعلوف، سعيد عقل، خليل ‏مطران، ميخائل نعيمة، الياس فرحات، سليم الخوري، طه حسين، حين هيكل، عباس محمود العقّاد وغيرهم.

19 ‏ أنطون سعاده، الأثار الكاملة -1- أدب (الصراع الفكري في الأدب السوري)، بيروت، 1960، ص 64-65.

20 أنطون سعاده، المحاضرات العشر، ص 177.

21 ن. ص 24.

22 ن. ص 167.‏ ‎

23 أنطون سعاده. "النظام الجديد" الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة الأبحاث السورية القومية الإجتماعية، 1951، ص 44.‏

24 أنطون سعاده، الأثار الكاملة -1- أدب (الصراع الفكري في الأدب السوري)، بيروت، 1960، ص 155-156.

25 أنطون سعاده. "النظام الجديد" الحلقة الخامسة عشرة من سلسلة الأبحاث السورية القومية الإجتماعية، 1951، ص 48.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.afwaj.org/vb/member.php?u=317
صياد الطيور
عضو جديد
عضو جديد


عدد الرسائل : 31
العمر : 37
تاريخ التسجيل : 07/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: أنطون سعادة شخصية نادرة   الإثنين مايو 12, 2008 12:19 am

أنطوان سعادة يحتاج لسنين من المتابعة و القراءة للوصول إلى اعماق أفكاره و أهدافه
كل الشكر لك على هذه الكلمة القيمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أبو طوني
أسد الجنوب
أسد الجنوب


عدد الرسائل : 239
العمر : 28
الموقع : الجنوب-النبطية
تاريخ التسجيل : 10/04/2008

مُساهمةموضوع: رد: أنطون سعادة شخصية نادرة   الإثنين مايو 12, 2008 12:28 am

اكيد تراه في العلم عالم و في كتابته تراه كاتب و في الدين تراه كاهن و إماما وكل ما اتقنه ابدع به واولها السياسة و التارخ و الجغرافية المدروسة لمبادء الحزب القومي
مشكور لمرورك

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.afwaj.org/vb/member.php?u=317
 
أنطون سعادة شخصية نادرة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المقاومة الإسلامية و الوطنية :: أحزاب المقاومة الوطنية :: الحزب السوري القومي الإجتماعي :: الزعيم أنطون سعادة-
انتقل الى: